الشنقيطي
98
أضواء البيان
واحتج بعض العلماء للمخالفين في هذا . كمالك وأبي حنيفة رحمهما الله بأدلة . منها ما قاله الطحاوي : وهو أن الحجة لهم حديث أنس في قصة الربيع عمته فقال النَّبي صلى الله عليه وسلم : ( كتاب الله القصاص ) فإنه حكم بالقصاص ولم يخير . ولو كان الخيار للولي لأعلمهم النَّبي صلى الله عليه وسلم . إذ لا يجوز للحاكم أن يتحكم لمن ثبت له أحد شيئين بأحدهما من قبل أن يعلمه بأن الحق له في أحدهما . فلما حكم بالقصاص وجب أن يحمل عليه قوله ( فهو بخير النظرين ) أي ولي المقتول مخير بشرط أن يرضى الجاني أن يغرم الدية اه . وتعقب ابن حجر في ( فتح الباري ) احتجاج الطحاوي هذا بما نصه : وتعقب بأنه قوله صلى الله عليه وسلم : ( كتاب الله القصاص ) إنما وقع عند طلب أولياء المجني عليه في العمد القود . فأعلم أن الكتاب الله نزل على أن المجني إذا طلب القود أجيب إليه . وليس فيما ادعاه من تأخير البيان . الثاني ما ذكره الطحاوي أيضاً : من أنهم أجمعوا على أن الولي لو قال للقائل : رضيت أن تعطيني كذا على ألا أقتلك أن القاتل لا يجبر على ذلك . ولا يؤخذ منه كرهاً ، وإن كان يجب عليه أن يحقن دم نفسه . الثالث أن قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث المذكور ( فهو بخير النظرين . . ) الحديث جار مجرى الغالب فلا مفهوم مخالفة له . وقد تقرر في الأصول : أن النص إذا جرى على الغالب لا يكون له مفهوم مخالفة لاحتمال قصد نفس الأغلبية دون قصد إخراج المفهوم عن حكم المنطوق . ولذا لم يعتبر جمهور العلماء مفهوم المخالفة في قوله تعالى : * ( وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِى فِى حُجُورِكُمْ ) * . لجريه على الغالب ، وقد ذكرنا هذه المسألة في هذا الكتاب المبارك مراراً . وإيضاح ذلك في الحديث أن مفهوم قوله ( فهو بخير النظرين ) أن الجاني لو امتنع من قبول الدية وقدم نفسه للقتل ممتنعاً من إعطاء الدية أنه يجبر على إعطائها . لأن هذا أحد النظرين اللذين خير الشارع ولي المقتول بينهما . والغالب أن الإنسان يقدم نفسه على ماله فيفتدى بماله من القتل . وجريان الحديث على هذا الأمر الغالب يمنع من اعتبار مفهوم مخالفته كما ذكره أهل الأصول ، وعقده في ( مراقي السعود ) بقوله في موانع اعتبار دليل الخطاب ، أعني مفهوم المخالفة :